السيد الخميني

81

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني )

1 - أذكر الزائرين الكرام بالأنس بالقرآن الكريم ، تلك الصحيفة الإلهية وكتاب الهداية ، في كل هذه المواقف الشريفة وطيلة مدة السفر إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة ، فكل ماناله المسلمون في القرون السالفة وما سينالونه في المستقبل يعود إلى البركات اللامتناهية لهذا الكتاب المقدس . وأغتنم هذه الفرصة لأطلب من جميع العلماء الأعلام وأبناء القرآن ألا يغفلوا عن هذا الكتاب المقدس الذي أنزل « تبياناً لكلّ شيءً » « 1 » . فربما يهجر هذا الكتاب السماوي الإلهي - والعياذ بالله - وهو يحتوي على جميع الأسماء والصفات والآيات البينات بصورة حسية وخطية ، ونعجز عن درك منازله الغيبية ، ولا يحيط بأسراره سوى الوجود الجامع المقدس أي « مَن خوطبَ بهِ » « 2 » . فأدرك خُلص أولياء الله العظام كنه ذلك ببركة تلك الذات المقدسة وبفضل تعليمه ، واستفاد خُلص أهل المعرفة بشعاع منه بقدر استعدادهم ومراتب سيرِهم ببركة المجاهدة والرياضة القلبية ، والآن نمتلك نسخه الخطية بعدما نزل على لسان الوحي بدون أي زيادة أو نقيصة في حرف منه ، وبرغم تعذر إدراك الأبعاد المختلفة له والتي تتضمن مراحل ومراتب كذلك ، فليستفد منه أهل المعرفة والتحقيق بمقدار علمهم وقابليتهم في مجالاته المختلفة ويعلمون للآخرين ، وليمحص أهل الفلسفة والبرهان الرموز الخاصة بهذا الكتاب الإلهي ويكشفوا براهين الفلسفة الإلهية ويضعوها في متناول أيدي أهلها . وليهدي الأحرار ذوو الآداب القلبية والرقابة الباطنية جرعة مما « أدَّبني رَبّي » للظمآنين إلى هذا الكوثر ليتأدبوا بآداب الله قدر المستطاع . وليتحف المتقون المتعطشون للهداية طلاب الهداية الإلهية وعشاقها ببريق من نور التقوى من معين « هُدى للمتقينَ » « 3 » الذي لاينضب . وأخيراً فليشمر العلماء الأعلام عن سواعد الجد ويمسكوا بأقلامهم ويتناولوا بعداً من الأبعاد الإلهية لهذا الكتاب المقدس ويحققوا آمال عشاق القرآن ، وليقضوا أوقاتهم في الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والحربية والسلمية للقرآن ليتبين أنّ هذا الكتاب منشأ لكل شيء ، بدءاً بالعرفان والفسلفة وانتهاءاً بالأدب والسياسة ، لكي لا يقول الجهلة : ليس العرفان والفلسفة إلا من نسج الخيال ، وترويض النفس والسير والسلوك من عمل الدراويش والزهاد البارعين ، أو ما للاسلام والسياسة والحكومة وإدارة الدولة ؟ فإنّه عمل السلاطين ورؤساء الجمهوريات وأهل الدنيا . أو إنّ الاسلام دين الصلح والسلام وهو بريء من محاربة الظالمين أيضاً . ويفعلون بالقرآن ما فعلته الكنيسة الجاهلة والساسة المتلاعبون بالدين

--> ( 1 ) ( 1 ) إشارة إلى الآية 89 من سورة النحل . ( 2 ) ( 2 ) إشارة إلى الحديث الشريف : » إنّما يعرفُ القرآنَ مَن خوطبَ بهِ « . ( 3 ) ( 3 ) سورة البقرة ، الآية 2 .